برائات الاختراع: حماية للمخترع أم عرقلة للتطور؟

مواضيع مشابهة

كثرت في الآونة الأخيرة برائات الاختراع الممنوحة عن بعض التقنيات مؤخراً ولا ينكر أحد فضل برائات الاختراع في حماية حقوق المخترع، لكن يمكن استخدامها أيضاً كوسيلة احتكارية، وهو أمر بات  معروفاً وبدأ التقنيون باستخدام مصطلح برائات الاختراع اللا أخلاقية “immoral patents” حتى أن مكتب الاختراعات الأوروبي قلم بإستخدام هذا المصطلح لوصف أحد برائات الاختراع التي أصدرها نظيره الأمريكي.

مكتب برائات الاختراع الأمريكي معروف بسوء تدقيقه في برائات الاختراع وسهولة حصول الشركات الأمريكية على برائات الاختراع دون أي مشاكل، ومن هذا المنطلق بدأ الناس يشككون في نزاهة مكتب برائات الاختراع الأمريكي الذي بات بمثابة مزود للسلاح للشركات الأمريكية في بلادها حتى تستطيع توريط منافسيها في دوامة المحاكم لتدفعها للتأخر في المنافسة.

أنا لن أتكلم كثيراً بل سأعطيكم أمثلة على برائات اختراع فعلية لتكونوا أنتم الحكام:


1- إن كنت تخطط لفتح موقع تسويقي فاحرص أن يحتاج المستخدم لأن يضغط أكثر من نقرة واحدة حتى يستطيع شراء سلعك وإلا فستكون عرضة للمقاضاة من قبل أمازون لأنها تمتلك براءة اختراع عملية الشراء في نقرة واحدة فقط، طبعاً مكتب برائات الأوروبي رفض تسجيل براءة الاختراع هذه.


2- شركة نينتيندو اليابانية طولبت بدفع 21 مليون دولار لشركة ألعاب أمريكية صغيرة لأن ثلاث من أدوات التحكم التابعة لنينتندو (موجودة في الصورة العلوية) مشابهة لأدوات تحكمها. مايكروسوفت أيضاً تمت مقاضاتها لكنها تمكنت من حل المشكلة خارج القاعة.

3- حصلت مايكروسوفت الأمريكية على براءة اختراع آلية عمل أمر الحصول على صلاحيات المستخدم على الرغم من أنها كانت تستخدم حتى قبل ظهور مايكروسوفت نفسها فأولاستخدام لأمر Sudo مثلاً كان في عام 1980 وهو ليس أول استخدام لأمر الحصول على صلاحيات المستخدم.

وجدت أكثر من عشر أمثلة مثالية واللائحة أطول بكثير لكن لكي لا أطيل الموضوع اختصرتها لثلاثة فقط.

ولو راجعنا بعض الأحداث الأخيرة لوجدنا أن برائات الاختراعات شكلت شيئاً شبيهاً بالسوق لكن بفارق أن المحاكم تلعب دوراً كبيراً في التسويق لهذه البرائات، ففي سنة 2007 حين تم إطلاق الآيفون هل تعلمون كم براءة اختراع أتت معه؟ أكثر من 200 براءة اختراع والعدد يستمر في التزايد مع كل إصدار جديد للآيفون.

هل تتصورون أن يحمل جهاز واحد أكثر من 200 فكرة مبتكرة يحتكرها لنفسه؟  ألا تعتقدون أن هذا الامر بات مبالغة كبيرة؟ فهاتف الآيفون نفسه يحوي الكثير من الخصائص التي لم يكن أول من أتى بها ولو تم تطبيق نظام براءات الاختراع منذ زمن طويل لما استطاعت آبل اطلاق اللآيفون بل لم يستطع أحد إطلاق أي هاتف باستثناء مخترع الهاتف المحمول.

من اخترع الهاتف المحمول هو موتورولا فهل تعتقدون لو منعت موتورولا جميع الشركات من تطوير الهاتف المحمول بحجة أنه من ابتكارها فهل تعتقدون أن هواتف مورتورولا التي بحوزتنا ستكون على نفس المستوى من التطور الذي وصلت إليه الهواتف المحمولة حالياً؟

إن لم تكن قد اقتعنت أعتقد أن المثال التالي سيقنعك أكثر، مخترع الانترنت أعطى الانترنت للعالم مجاناً دون المطالبة بأي شيء، طبعاً لولا هذا الشيء لكانت هناك شركة عالمية تتقاضى من كل شخص أو من كل شركة يريد الاتصال بالانترنت على مبلغ إضافي.

الأمر لن يتوقف عند هذا الحد بل لن يتمكن أحد من إطلاق موقعه على الانترنت إلا بعد موافقة مالك الانترنت ويحق له إزالته في أي وقت دون إبداء أي أسباب، يعني تخيلوا أن يكون الانترنت مثل متجر مليء بالتطبيقات ويحق لمالك المتجر إزالة أي برنامج أو رفضه دون إعطاء أي أسباب.

المشكلة أن براءات الاختراع لا تشمل الاختراعات العلمية فقط بل حتى الافكار التصميمية بل وهناك براءات اختراع حتى للنباتات لا أعلم كيف يمكن لأحدهم أن يحصل على براءة اختراع نبتة لكن هذا الشيء حقيقي وموجود.

ولأسباب كهذه يوجد مايقارب 10 ملايين براءة اختراع في أمريكا وحدها، ففي عام 2008 فقط كان متوسط براءات الاختراع التي يتم طلب الحصول عليها هو 1300 براءة اختراع  يومياً، والأدهى والأمر أن 40% من هذه البراءات تم منحها مباشرة، أي أنه في كل يوم يمر علينا هناك 500 فكرة يحرم العالم من استخدامها دون أن يدفع مقابلاً لمالكها.

هذا الأمر يتسبب في مشاكل كثيرة فيصعب متابعة كل هذا الكم من الاختراعات وقد يتسبب في تعارض براءات الاختراع مع بعضها البعض الأمر الذي  يتسبب في معارك قضائية والأدهى والأمر أن نتيجة الحكم تتغير ليس من دولة لدولة بل حتى من ولاية لولاية داخل الولايات الأمريكية بل وتختلف من محكمة لمحكمة في نفس الولاية  وهو أمر دارج بكثرة في أمريكا.

يقول الرئيس التنفيذي لأحد شركات حماية الشبكات “المشكلة التي أواجهها مع براءات الاختراع هي أنها تحاول الأخذ بعين الاعتبار كل براءة اختراع وكل  محتوى فني سابق، ونحن كلما أضفنا محتويات جديدة أكثر وأكثر، كلما أصبحت العملية أصعب أكثر، لم أجد حلاً أعجبني يضمن فيه المخترع حقوقه وفي نفس الوقت تسهل هذه العملية أيضاً.”

النظام معقد لدرجة كبيرة والصراع الكبير على براءات الاختراع سببه بسيط فهو الثغرة القانونية المثالية لقوانين مكافحة الاحتكار. فالطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أي شركة أن تمنع منتجات شركة أخرى من الانتشار في بلد معين -وهو أمر غير قانوني مهما كانت الطريقة- هو الحصول على براءة اختراع لأحد التقنيات التي تمتلكها تلك الشركة.

ولو تلاحظون فالشركات تختار وقتاً حساساً لتبدأ معركتها القضائية، فآبل لم ترفع أي قضية على HTC على الرغم من أن أول جهاز يعمل بنظام أندرويد ظهر عام 2008 وهو أحد الأجهزة التي تنتهك حقوق آبل كما تدعي الأخيرة. وكذلك نوكيا التي اختارت السكوت لمدة عشر سنوات حتى ترفع قضية على مصنعي شاشات الكريستال السائل، وكذلك تلك الشركة الصغيرة التي قاضت مايكروسوفت على تقنية تمتلك براءة اختراعها ولكن بعد 4 سنوات من بدء مايكروسوفت في استخدامها.

الأمر واضح، براءة الاختراع لم تعد وسيلة حماية للمخترع بل أداة احتكارية وابتزازية  فبواسطتها توقف المنافسة وتكسب المال لقاء فكرة قد تكون لم تطبقها لكن تطبيق غيرك لها يعطيك الحق في مشاركته نجاحه.

لا أتعارض مع كون براءة الاختراع وسيلة ابتزازية لكن اعترضاي هو على استخدامها كوسيلة احتكارية يقف في وجه قطار التطور ويحرمنا من الكثير من التقنيات الحديثة والمتطورة. في النهاية أتمنى أن نرى لوائح مكافحة الاحتكار تتحلى بأولوية على لوائح براءات الاختراعات فتضطر الشركات للجوء للحلول المادية لا الاحتكارية

لا توجد أي شركة أو جهة أو حتى إنسان يستطيع القول أنه مبتكر جميع التقنيات التي يستخدمها حالياً حتى أولئك المساكين الجياع في أفريقيا. الحمدلله أن براءة الاختراع لم تظهر مع بداية ظهور البشر. وإلا لأصبحت النار حكراً لذلك الشخص الذي اكتشفها لأول مرة وورثها لأبناءه الذين سيقتلون بعضهم بعضاً للحصول على حقوق ملكيتها لعدم وجود المحاكم آنذاك ولكانت نهايتنا الانقراض.

في النهاية لمن يريد البحث بين أكثر من 8 ملايين براءة اختراع فيمكنه زيارة هذه الصفحة. ستجدون الكثير من براءات الاختراع الغريبة مثل:
قطع القماش المكهربة لتكهرب النمل الذي يريد الاقتراب منك في الحدائق.

كذلك هناك ماوس مع طابعة مدمجة داخلها بفضلها ستستطيع طباعة هذا المقال في 3000 قصاصة ورقية. للأسف لن يقدر مثل هذا الاختراع إلا طلبة المدارس.

هل سبق أن تمنيت لو امتلكت جهازاً نقالاً لتنشيف اليدين تحمله حول رقبتك أينما ذهبت؟ لا! خسارة لأن هناك اختراع كهذا ليجعل حياتك أثقل أقصد أسهل.
ولا أنسى درع التقبيل المكون من أربع طبقات تضعها على شفاهك لتحميك من الجراثيم لكنها للأسف لن تحميك من الروائح الكريهة.


| كتب 176 مواضيع على تيدوز
كاتب ومبرمج مهتم بالتقنية بشكل عام




© 2012 تيدوز. التعليقات المنشورة تعبر عن أراء أصحابها.